ابن قيم الجوزية
6
الوابل الصيب من الكلم الطيب
خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان ، قال تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } . ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال : { فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } . وقال تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } . فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين ، فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه ، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لا بد منه ، لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب ، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احتزر العبد ما احتزر ، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب . وقد كان آدم أبو البشر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم ، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيه ، فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر ؟ ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة ، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها ، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته ، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله . فإذا أراد الله بعبده خيراً فتح له من أبواب ( التوبة ) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته ، حتى يقول عدو الله : يا ليتني تركته ولم أوقعه . وهذا معنى قول بعض السلف : إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة ، ويعمل الحسنة يدخل بها النار . قالوا : كيف ؟ قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً مستحياً من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له ، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد